أثار إعلان مؤسسة اليمامة الصحفية إيقاف النسخة الورقية من جريدة «الرياض» ومجلة «اليمامة» اعتبارًا من 24 أغسطس 2026 ردود فعل متباينة، بين من استقبل القرار بحزن على ذاكرة جريدة امتدت لعقود، ومن رآه نتيجة طبيعية لتحولات بدأت منذ مطلع الألفية، لكن السؤال الذي يستحق النقاش ليس هل انتهى الورق، بل لماذا لم يعد الناس ينتظرون الجريدة الورقية كل صباح كما كانوا يفعلون، وهل السبب ارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع والتشغيل، أم عزوف الجمهور عن الورق، أم أن المشكلة أعمق وتتعلق بتغير وظيفة الصحيفة نفسها.
ولعل علاقتي بـ«الرياض» تجعل هذا السؤال بالنسبة لي أبعد من كونه نقاشًا مهنيًا عابرًا، فأنا ابن هذه الجريدة والمؤسسة، عملت فيها ستة عشر عامًا، قضيت منها تسع سنوات متفرغًا، مديرًا للإعلام الرقمي ومسؤولًا عن «الرياض الإلكتروني»، وعشت جزءًا مهمًا من تحولات الجريدة وانتقالها التدريجي إلى الفضاء الرقمي، ولذلك فإن علاقتي بها ليست وظيفية فقط، بل وجدانية أيضًا، فالرياض بالنسبة لي مدرسة صنعت جزءًا كبيرًا من تجربتي الإعلامية، وقرار كهذا لا يمكن أن يمر دون أن يستدعي الكثير من الذكريات والأسئلة.
وبعيدًا عن الجوانب العاطفية التي قد يفرضها قرار كهذا، فإن الشواهد من حولنا لا تقول إن المشكلة في الورق ذاته، فالكتب لا تزال تطبع، ومعارض الكتاب ما زالت تستقطب الناشرين والجمهور، وقد شاركت في معرض الرياض الدولي للكتاب 2025 أكثر من 2000 دار نشر محلية ودولية من أكثر من 25 دولة، وما زلنا ندوّن ملاحظاتنا على أوراق الاجتماعات، ونطبع التقارير والوثائق، وتعمل الطابعات يوميًا في الجهات الحكومية والخاصة، وهذا يعني أن الإنسان لم يهجر الورق تمامًا، وإنما تغيرت طريقة استخدامه والحاجة إليه، فالتحول الحقيقي لم يكن من الورق إلى الشاشة فقط، بل من استخدام الورق للحصول على المعلومة السريعة إلى استخدامه عندما يمنحنا تجربة أو قيمة تستحق القراءة والاحتفاظ بها.
المشكلة الأكبر في رأيي هي أن الوظيفة التاريخية للصحيفة اليومية تغيرت، فقد كان القارئ ينتظر صباح الغد ليعرف ماذا حدث بالأمس، أما اليوم فالخبر يصل إلى جواله لحظة وقوعه، مصحوبًا بالصورة والفيديو والتعليق والبث المباشر، ولذلك فإن مطالبة النسخة الورقية بمنافسة الأجهزة الذكية في سرعة الخبر معركة محسومة مسبقًا، ويؤكد تقرير الأخبار الرقمية 2025 الصادر عن معهد رويترز هذا التحول، إذ ارتفعت نسبة استهلاك فيديو الأخبار عمومًا من 67% عام 2020 إلى 75% في 2025، فيما ارتفعت نسبة استهلاك فيديو الأخبار عبر الشبكات الاجتماعية من 52% إلى 65% خلال الفترة نفسها.
وهنا يأتي السؤال الأهم، إذا لم يعد القارئ يحتاج الصحيفة لتخبره بما حدث، فماذا تقدم له حتى يعود إليها، أعتقد أن الإجابة تكمن في التفسير والتحليل والعمق، فالخبر أصبح متاحًا للجميع، لكن فهم الخبر ما زال قيمة نادرة، والجمهور يحتاج من يشرح له لماذا حدث الأمر، وماذا يعني، وما الذي يمكن أن يحدث بعده، كما أن المتلقي أصبح أكثر بصرية وأقل صبرًا على النصوص الطويلة التقليدية، ولذلك يحتاج المحرر اليوم إلى التفكير بالإنفوجرافيك، والبيانات، والصورة، والفيديو، والاختصار، والتحليل البصري، وفهم سلوك المتلقي، لا أن ينقل محتوى الصحيفة القديمة إلى شاشة الجوال ويعتقد أنه أنجز التحول الرقمي.
والتجارب العالمية تؤكد أن القضية اقتصادية وسلوكية ومهنية في الوقت نفسه، فقد أوقفت صحيفة Star-Ledger الأميركية نسختها المطبوعة في 2025 مع ارتفاع التكاليف وتراجع التوزيع والطلب، وتحولت Atlanta Journal-Constitution إلى الرقمية بالكامل مطلع 2026 بعد أكثر من قرن ونصف من الطباعة، وفي المقابل عادت Village Voice إلى إصدار نسخة ورقية دورية بعد توقفها، كما أعادت The Onion نسختها المطبوعة بعد نحو عقد من الغياب، وهذه التجارب تقول إن الورق يمكن أن يستمر أو يعود عندما يعاد تعريف وظيفته، لا بوصفه ناقلًا للأخبار العاجلة، بل منتجًا مختلفًا يقدم تجربة ومحتوى وقيمة تجعل القارئ راغبًا في اقتنائه.
وحتى اقتصاديًا لا يزال إعلان وفاة الورق مبكرًا، فتقرير World Press Trends Outlook 2024-2025 الصادر عن WAN-IFRA يشير إلى أن التوزيع والإعلانات المطبوعة لا يزالان يمثلان قرابة 45% من إجمالي إيرادات المؤسسات الإعلامية المشاركة في الدراسة، رغم أنها المرة الأولى التي تنخفض فيها مساهمة الطباعة عن نصف الإيرادات، في حين تجاوزت الإيرادات الرقمية 30%، وشمل التقرير آراء أكثر من 240 مسؤولًا إعلاميًا من 85 دولة، وهذه الأرقام تؤكد أن الاتجاه واضح نحو الرقمنة، لكنها لا تعني اختفاء الورق، بل إعادة تشكيل نموذج الأعمال الإعلامي، ومن ينجح مستقبلًا ليس من يتمسك بالقديم لمجرد الحنين إليه، ولا من يندفع إلى الرقمي لمجرد أنه جديد، بل من يعرف أين توجد قيمة جمهوره وكيف يقدمها له.
قرار «الرياض» لا ينبغي أن نقرأه بوصفه جنازة للصحافة الورقية، بل جرسًا جديدًا لصناعة الإعلام كلها، فهي ليست ورقًا ولا موقعًا إلكترونيًا، وإنما محتوى وثقة وتأثير، وإذا تغير سلوك الجمهور فعلينا أن نتغير معه، لا أن نلومه لأنه لم يعد يقرأ بالطريقة التي اعتدنا عليها، وربما يكون التحدي الحقيقي أمام صحفنا اليوم ليس كيف نحافظ على المطبعة، بل كيف نحافظ على القارئ، وكيف نصنع محتوى يجعله يتوقف وسط هذا التضخم الهائل من الأخبار ويقول، هنا سأجد ما لم أجده في مكان آخر، فالورق قد يتوقف يومًا، لكن الصحافة لا ينبغي أن تتوقف عن إعادة اختراع نفسها.