بين ما يحدث وما نراه كيف تعيد الخوارزميات تشكيل الإعلام
بين ما يحدث… وما نراه: كيف تعيد الخوارزميات تشكيل الإعلام؟
لم يعد الإعلام كما كان لم يعد مجرد ناقل للأحداث، ولا وسيطًا محايدًا بين الواقع والجمهور ففي العصر الرقمي، دخلت الخوارزميات على خط التأثير، لتصبح شريكًا خفيًا يعيد تشكيل ما نراه… وربما ما نعتقده الخوارزميات، التي تدير منصات التواصل، لا تختار المحتوى بناءً على أهميته بالضرورة، بل وفق معايير أخرى: التفاعل، الاهتمام، الوقت الذي نقضيه، وما يشبه سلوكنا السابق. وبهذا، لا يُعرض لنا العالم كما هو، بل كما يرجّح أن يجذب انتباهنا. لم يعد السؤال اليوم: ماذا يحدث في العالم؟ بل أصبح: ما الذي وصل إلينا من هذا العالم؟ فما يظهر في شاشاتنا هو نتيجة عملية انتقاء مستمرة، تُبرز بعض القصص، وتُخفي أخرى، وتُعيد تكرار محتوى معين حتى يبدو وكأنه الأكثر حضورًا… وربما الأكثر أهمية ومع التكرار، تتكوّن القناعات ومع الانتشار، يتشكل الانطباع في هذا السياق، لم يعد الإعلام وحده من يصنع السردية، بل أصبحت الخوارزميات جزءًا من بنائها. فالمحتوى الذي ينتشر ليس دائمًا الأعمق، بل الأكثر جذبًا. وليس الأكثر دقة، بل الأكثر قابلية للتداول. وهنا، تتداخل الحقيقة مع طريقة عرضها، ويتحوّل الفرق بين “الواقع” و”صورته” إلى مسافة يصعب ملاحظتها. لكن هذا التحول لا يُعد سلبياً بالكامل فكما يمكن للخوارزميات أن تُضخّم السطحية، يمكنها أيضًا أن تمنح المحتوى القيّم فرصة غير مسبوقة للوصول والانتشار. الأمر لا يتعلق بالأداة بقدر ما يتعلق بكيفية استخدامها إن الوعي بدور الخوارزميات لم يعد رفاهية، بل ضرورة يجب أن، ندرك حدودها، ونتعامل معها بوعي، سواء كمتلقين أو كصنّاع محتوى ففي عالم تُدار فيه المشاهدات قد لا يكون ما نراه هو كل ما يحدث، بل ما تم اختياره لنا لنراه.
ويبقى السؤال: هل نستهلك الواقع… أم النسخة التي أعادت الخوارزميات ترتيبها لنا؟