كانت المعرفة والمعلومات أساسًا لاقتصادات ومهن كاملة، ثم فجأة، تصبح نفسها متاحة مجانًا، وفي متناول أي شخص، وفي أي وقت، هذا التحول السريع واقع نعيشه اليوم بكل تفاصيله، وقد لخصه المدير التنفيذي السابق لبنك جولدمان ساكس Goldman Sachs، راؤول بال، في حديث لافت حين أشار إلى أن المحامي والطبيب والمستشار وغيرهم كانوا يتقاضون مبالغ فلكية لأن “المعرفة كانت نادرة ومحتكرة”، أما اليوم فقد أصبحت لا نهائية، ومتاحة للجميع.
ما قاله لم يكن مجرد رأي، بل توصيف دقيق لتحول تاريخي، نحن لم نعد نعيش في عصر ندرة المعرفة؛ بل في عصر فيضها، الذكاء الاصطناعي جعل الوصول إلى المعلومات لحظيًا، بلا تكلفة، وبلا وسيط، بضغطة زر يمكن لأي شخص أن يسأل، ويحلل، ويقارن، ويصل إلى إجابات كانت تتطلب سنوات من التعلم والخبرة، وكأن العالم بأكمله أصبح في جيبك.
هنا تغيّرت قواعد اللعبة؛ لم يعد السوق يدفع لك على “ماذا تعرف”، لأن المعرفة لم تعد ميزة نادرة، بل أصبح يدفع لك على “كيف تستخدم ما تعرف”، وعلى قدرتك في توظيف الذكاء الاصطناعي لتحويل المعرفة إلى نتائج، لم يعد التميز في امتلاك المعلومة، بل في استثمارها، وفي تحويلها إلى قيمة حقيقية.
الأرقام العالمية تعكس هذا التحول بوضوح؛ تشير تقارير حديثة إلى أن أكثر من 80% من الشركات الكبرى بدأت في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها، كما أن نحو 60% من الوظائف ستتغير طبيعتها خلال السنوات القادمة بسبب الأتمتة، وفي جانب الاستخدام، فإن أكثر من 70% من الموظفين حول العالم يستخدمون أدوات ذكاء اصطناعي بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يعني أن الوصول إلى المعرفة لم يعد فارقًا تنافسيًا كما كان في السابق.
وفي قطاع التعليم، تظهر الصورة بشكل أكثر وضوحًا؛ حيث يعتمد أكثر من 90% من الطلاب عالميًا على المصادر الرقمية للحصول على المعرفة، ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح التعلم أكثر سرعة، وأكثر تفاعلية، لكنه في الوقت ذاته أصبح أكثر سطحية لدى البعض، إذ لم يعد التحدي في الوصول إلى المعلومة، بل في فهمها وتحليلها.
في وطننا الغالي السعودية، يتجلى هذا التحول بشكل متسارع؛ فمع رؤية 2030، أصبحت التقنية والذكاء الاصطناعي في صميم التنمية، وتشير التقديرات إلى أن مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد السعودي قد تصل إلى أكثر من 135 مليار دولار بحلول عام 2030، كما أن نسبة انتشار الإنترنت تجاوزت 98%، ما يعني أن الوصول إلى المعرفة أصبح متاحًا لكل فرد تقريبًا، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة، لكنه في الوقت ذاته يرفع سقف التحدي.
لكن هذا التحول لا يقف عند حدود الاقتصاد أو التعليم؛ بل يمتد إلى القيم والأخلاق، حين تصبح المعرفة متاحة بلا قيود، فإن المسؤولية تصبح أكبر، لم يعد التحدي في الحصول على المعلومة، بل في التحقق منها، وفي استخدامها بشكل أخلاقي، وفي عدم الانسياق خلف التضليل، لأن الذكاء الاصطناعي لا يفرّق بين من يستخدمه للبناء أو للهدم.
كما أن هذا الواقع الجديد خلق ما يمكن تسميته بـ”وهم المعرفة”؛ حيث يظن البعض أنه يمتلك الفهم لمجرد قدرته على الوصول، بينما الحقيقة أن الفارق لا يزال في العمق، وفي القدرة على التحليل، وفي تحويل المعرفة إلى أثر، وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين من يستهلك المعرفة، ومن يصنع منها قيمة.
المفارقة أن هذا العصر، الذي جعل المعرفة متاحة للجميع، أعاد تعريف التميز من جديد؛ لم يعد التميز في من يعرف أكثر، بل في من يطبق أفضل، وفي من يستطيع أن يحوّل المعرفة إلى منتج، أو قرار، أو أثر ملموس، وهذا ما يجعل المهارات مثل التفكير النقدي، والابتكار، والقدرة على التكيف، أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وفي مملكتنا، نرى هذا التحول يتجسد في دعم الابتكار، وتمكين الشباب، وتعزيز التعليم المرتبط بالمستقبل، حيث لم يعد الهدف تخريج حافظين للمعلومة، بل صانعين لها، وقادرين على توظيفها في خدمة التنمية، وهو توجه ينسجم مع التحولات العالمية التي تضع الإنسان في قلب التقنية.
في النهاية، ربما لم تصبح قيمة المعرفة صفرًا كما يوحي العنوان، لكنها بالتأكيد لم تعد كما كانت، لقد فقدت احتكارها، وتغيّر موقعها في معادلة النجاح، لم تعد “نهاية الطريق”، بل أصبحت “بدايته”، ولم يعد السؤال ماذا تعرف، بل ماذا تفعل بما تعرف؟