في كل عام، ومع اقتراب موسم الحج، تتكرر في بعض وسائل الإعلام الأجنبية ومراكز التحليل الاقتصادي تساؤلات تبدو منطقية من منظور الأرقام المجردة، لكنها تعجز عن فهم حقيقة المشهد، إذ تنظر إلى الحج من زاوية الربح والخسارة والعائد المالي، وتحاول احتساب ما تنفقه المملكة العربية السعودية على خدمة ضيوف الرحمن مقابل ما يمكن أن تحققه من عوائد اقتصادية، وكأن أعظم رحلة إيمانية في العالم يمكن اختزالها في معادلة مالية أو ميزان محاسبي. غير أن من يعرف المملكة، ويدرك رسالتها التاريخية والدينية، يعلم أن خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما لم تكن يومًا مشروعًا استثماريًا، بل شرفًا ومسؤولية وأمانة تتوارثها القيادة السعودية جيلاً بعد جيل.
ملوك هذه البلاد يحملون لقب “خادم الحرمين الشريفين”، حيث أن خدمة الحجاج والمعتمرين جزءًا أصيلًا من هوية الدولة ورسالتها، ولهذا لا يمكن قراءة أرقام الإنفاق الضخمة على الحج بمعايير الربح والخسارة التقليدية. فقد أشارت تقارير إعلامية، من بينها ما نشرته قناة العربية، إلى أن تكلفة التوسعة السعودية الكبرى للمسجد الحرام تجاوزت ٣٥٠ مليار ريال، ولو اضفنا ما انفقته في المشاعر المقدسة من منى وعرفات ومزدلفة ومناطق أخرى لتجاوزت حاجز النص ترليون ريال، وهو رقم كفيل وحده بإظهار حجم الالتزام الذي تتعامل به المملكة مع خدمة ضيوف الرحمن، ولو كانت المسألة تجارية بحتة لما أقدمت أي دولة في العالم على استثمار بهذا الحجم من أجل توفير مزيد من الراحة والطمأنينة لملايين البشر الذين يفدون إلى مكة المكرمة أيامًا معدودة كل عام.
ولا تتوقف الصورة عند توسعة المسجد الحرام، فهناك منظومة هائلة من المشاريع العملاقة التي نفذتها المملكة خلال العقود الماضية وما تزال تتوسع فيها عامًا بعد عام، ومنها مشروع مسار مكة الذي سهّل إجراءات ملايين الحجاج قبل وصولهم إلى الأراضي المقدسة، وقطار المشاعر المقدسة الذي يعد أحد أكبر مشاريع النقل الموسمية في العالم، وجسر الجمرات متعدد الأدوار الذي أصبح أيقونة هندسية عالمية في إدارة الحشود، إضافة إلى شبكات الطرق والأنفاق الحديثة، ومشاريع التظليل والتبريد التي خففت من آثار درجات الحرارة المرتفعة، والمخيمات المطورة في المشاعر المقدسة، والمستشفيات والمراكز الصحية، ومشاريع المياه والكهرباء والتصريف، فضلًا عن المشاريع العملاقة التي تنفذها شركة كدانة للتنمية والتطوير والهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وهي استثمارات تتجاوز قيمتها عشرات بل ميات المليارات، وتُنفذ بهدف واحد هو خدمة الحاج وتيسير رحلته الإيمانية.
وحين ننظر إلى حجم الموارد البشرية التي تسخرها المملكة لخدمة الحج، ندرك أن الحديث عن الربح والخسارة يصبح أكثر بعدًا عن الواقع. فبحسب البيانات الرسمية لموسم حج 2025، شارك ما يقارب 468 ألف موظف ورجل أمن وممارس صحي ومتطوع ومختص في مختلف القطاعات لخدمة ضيوف الرحمن، أي ما يقترب من نصف مليون شخص سخرتهم الدولة لخدمة الحجاج، وتتكفل برواتبهم وتجهيزاتهم وإسكانهم وتشغيلهم طوال الموسم، في صورة تجسد المعنى الحقيقي للعناية بضيوف بيت الله الحرام.
ولا تقتصر الخدمات على البنية التحتية والموارد البشرية، بل تمتد إلى منظومة تقنية متقدمة جعلت من الحج أحد أكثر التجمعات البشرية استخدامًا للحلول الذكية في العالم، حيث وفرت المملكة تطبيقات رقمية متطورة، وخدمات اتصال عالية الكفاءة، ومنصات إرشادية متعددة اللغات، وتقنيات ذكاء اصطناعي لتحليل الحشود وإدارة الحركة وتحسين الخدمات، فضلًا عن بنية اتصالات متقدمة أسهمت في تمكين ملايين الحجاج من التواصل مع ذويهم والاستفادة من الخدمات الرقمية بكل سهولة ويسر.
وفي موازاة هذا الجهد الخدمي والتنظيمي، يبرز الدور الإعلامي السعودي بوصفه شريكًا رئيسيًا في نقل الصورة الحقيقية للعالم، فقد نجحت وزارة الإعلام والجهات التابعة لها، بالتكامل مع مختلف الجهات الحكومية، في بناء منظومة إعلامية احترافية توظف أحدث التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لخدمة الإعلاميين والصحفيين من مختلف دول العالم، وتمكينهم من نقل المشهد بكل شفافية ومهنية. ولم يعد الإعلام السعودي يكتفي بنقل الحدث، بل أصبح ينقل القصة الإنسانية والروحانية الكاملة، ويُظهر حجم الجهود الاستثنائية التي تبذلها الدولة في خدمة الحجاج، كما يبرز المشاعر الإيمانية التي يعيشها ضيوف الرحمن في أطهر بقاع الأرض.
وفي وقت تواجه فيه اقتصادات العالم تحديات مالية وضغوطًا متزايدة، تواصل المملكة ضخ الاستثمارات العملاقة في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة دون تردد، لأنها تدرك أن خدمة بيت الله الحرام لا تُقاس بالأرباح المالية، ولا تُحسب بلغة المكاسب والخسائر، إنها رسالة إيمانية وإنسانية وحضارية تتجاوز كل الأرقام، وتجسد حرص القيادة الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين على بذل كل ما يمكن لخدمة ضيوف الرحمن. ولهذا يمكن القول بكل ثقة إن الحج، بالنسبة للمملكة العربية السعودية، ليس مشروعًا اقتصاديًا يبحث عن العائد، بل رسالة عظيمة لا تُقدّر بثمن، وشرف تتوارثه الأجيال، وعطاء يمتد أثره إلى قلوب المسلمين.