تعيش مملكتنا اليوم مرحلة استثنائية من التحول والحضور الدولي، مرحلة لم تأتِ صدفة ولا في فراغ، بل جاءت نتيجة مسار طويل من العمل المؤسسي، والرؤية الواضحة، والاستثمار في الإنسان والمكان؛ ومع هذا الحضور المتنامي، تحولت المملكة العربية السعودية إلى منصة عالمية لاستضافة الأحداث والمؤتمرات الكبرى في شتى المجالات؛ من الاقتصاد والاستثمار، إلى الثقافة والترفيه، ومن الرياضة إلى التقنية والطاقة.
ويأتي فوز الرياض باستضافة معرض إكسبو 2030، لا بوصفه معرضًا عابرًا، بل حدثًا عالميًا يُتوقع أن يستقطب أكثر من 40 مليون زيارة، وبمشاركة ما يزيد على 190 دولة ومنظمة دولية؛ وتلاه اعتماد المملكة رسميًا لاستضافة كأس العالم 2034، أحد أكبر الأحداث العالمية، لا على المستوى الرياضي فحسب، بل على مستوى التأثير الإعلامي والاقتصادي والثقافي. فضلًا عن عشرات، بل مئات، المؤتمرات والملتقيات والأحداث الدولية الأخرى التي وضعت وطننا الغالي في واجهة المشهد العالمي وعلى مختلف الأصعدة.
ومن هنا يأتي دور الإعلام، لا كناقلٍ للحدث فقط، بل كصوت يصنع المعنى، ويمنح الوقائع سياقها، ويضطلع بمسؤولية وطنية تتطلب وعيًا يتجاوز الفرد، ومهنية تسبق الرأي، وانتماءً يوازن بين الاعتزاز والصدق.
في هذا السياق، يصبح الإعلام السعودي، بمؤسساته ومختصيه وصنّاع محتواه، في قلب المعادلة؛ فالأحداث الكبرى لا تُدار بالبنية التحتية والتنظيم اللوجستي وحدهما، بل تُدار بالرسالة، وبالسردية التي تُبنى حولها، وبالطريقة التي تُقدَّم بها للعالم.
فالصورة التي تتشكل في ذهن المتلقي العالمي لا تصنعها بيانات رسمية منفردة، بل تتكون من آلاف التفاصيل الصغيرة من تقرير تلفزيوني، صورة متداولة، تعليق صحفي، مادة رقمية، أو حتى رد مهني على سؤال نقدي؛ وهنا تتجلى المسؤولية الوطنية للإعلامي السعودي، الذي لم يعد يخاطب جمهورًا محليًا فحسب، بل جمهورًا عالميًا متنوع الخلفيات والتوقعات.
وتزداد هذه المسؤولية أهمية إذا ما نظرنا إلى واقع الإعلام ومستقبله؛ إذ تشير تقارير دولية حديثة إلى أن غالبية الجمهور العالمي بات يتلقى الأخبار عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وأن الاعتماد على المواقع الإخبارية التقليدية كمصدر أول للأخبار يشهد تراجعًا مستمرًا.
وفي المملكة تحديدًا، تكشف البيانات أن نسبة استخدام الإنترنت تتجاوز 98% من السكان، وأن عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يقترب من إجمالي عدد السكان، مع متوسط استخدام يومي مرتفع مقارنة بالمعدل العالمي؛ وهو ما يعني أن الرسالة الإعلامية باتت تنتشر بسرعة غير مسبوقة، وأن أي خطأ مهني، مهما بدا بسيطًا، قد يتضخم أثره خلال ساعات قليلة.
ومن زاوية أخرى، تشهد المملكة نموًا ملحوظًا في قطاعات السياحة والفعاليات، وهي قطاعات ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالصورة الإعلامية؛ فوفق البيانات الرسمية، تجاوز عدد الزيارات السياحية في السعودية 100 مليون زيارة سنويًا في السنوات الأخيرة، مع إنفاق سياحي بمئات المليارات من الريالات، في مؤشر واضح على تحول المملكة إلى وجهة عالمية. وكل زائر يحمل تجربة، وكل تجربة قابلة لأن تتحول إلى قصة تُروى، إيجابًا أو سلبًا، عبر الإعلام ومنصات التواصل.
وهنا يبرز مفهوم الإعلام المسؤول، الذي يقدم الصورة بواقعية واحتراف، ويبرز النجاحات، ويعالج التحديات بشفافية. إعلام لا يصمت عن النقد، ولا ينجرف خلف الإثارة، بل يمتلك القدرة على التمييز بين النقد البنّاء والتضليل، وبين الرأي الشخصي والمعلومة المؤكدة؛ وفي زمن يتزايد فيه الحديث عالميًا عن الأخبار المضللة وتراجع الثقة في وسائل الإعلام، تصبح المهنية سلاحًا وطنيًا لا غنى عنه.
فالدراسات الدولية تشير إلى أن الثقة في الأخبار تشهد تذبذبًا في كثير من الدول، وأن التضليل الرقمي بات يُصنّف ضمن أبرز المخاطر التي تواجه المجتمعات؛ وفي مثل هذا المناخ، يكون الإعلام الوطني المتزن عنصر استقرار، لا أداة استقطاب أو توتر.
ولا ينفصل دورنا كسعوديين ومختصين بالإعلام عن هذا الواقع؛ فمسؤوليتنا تبدأ من إدراك أن الانتماء لا يتعارض مع المهنية، بل يكتمل بها؛ وأن تكون مهنيًا يعني أن تحمي وطنك عبر المعلومة الصحيحة، والسياق الواضح، واللغة الهادئة، وأن تكون وطنيًا يعني أن تدرك أن المبالغة، أو التسرع، أو الدفاع غير المدروس، قد يسيء أكثر مما يخدم.
ومع اقتراب الاستحقاقات الكبرى، يقف الإعلام السعودي أمام اختبارات تاريخية، وفرص حقيقية لتقديم تجربة إعلامية تعكس تميز الوطن ومؤسساته، وتسهم في إعادة تعريف الإعلام السعودي إقليميًا وعالميًا بوصفه إعلامًا محترفًا، متوازنًا، قادرًا على الجمع بين الطموح والواقعية، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم.
وفي الختام، يمكن القول إن الإعلام ليس وظيفة تُؤدى فحسب، بل مسؤولية وطنية تُمارس بوعي يومي، والتزام أخلاقي قبل أن يكون مهارة تقنية، ورسالة قبل أن يكون محتوى.